Tuesday, March 25, 2014

تساكن الأضداد في مجموعة استراق

«استراق» هي المجموعة القصصية الثانية لعبدالحكيم عبدالله بعد «مساس» الصادرة عن وزارة التراث والثقافة في 2006م. وإن كان هناك فاصل زمني طويل بين المجموعتين فإنَّ هناك ما يبرر طول المدة على الأقل لي أنا شخصيا، حيث إن عبدالحكيم أعتبره واحدًا من الأصوات التي تشتغل على تجربتها بصبر وتمكن وروية.
يجدر بنا قبل الدخول إلى عوالم المجموعة التوقف عند عنوان المجموعة أولا لنشرح من خلاله المعنى الذي حمل عنوان هذه القراءة. يورد ابن منظور في لسان العرب في مادة (س ر ق) أنّ الاستراق يأتي بمعنى اختلاس النظر والسمع، واسترق السمع أي استرق مستخفيا، ويقال يُسارق النظر إليه إذا اهتبل غفلته لينظر إليه. فالعنوان إذن لم يأت اعتباطًا بل هو عتبة مهمة من عتبات فهم النصوص القصصية التي تبلغ (11) نصًا قصصيًا. دون أن ننسى بالطبع أن استراق هو عنوان داخلي لأحد النصوص، ولكن العنوان الرئيس يحيلنا إلى الأهمية التي يوليها المؤلف للحواس فجموعته الأولى كما ذكرنا تحمل عنوان (مساس) وهنا (استراق) وهذا ملمح مهم من ملامح العنونة عند عبدالحكيم.
فالاستراق تشترك فيه بحسب ابن منظور حاستا السمع والنظر ولكن هل ما تراه العين يختلف عما تسمعه الأذن؟ هل أراد المؤلف القول هنا أن لنصوصه فضاءً متعدد الدلالات ليفسح لنفسه ولنا أيضًا مجالا وأفقًا أكثر رحابة للفهم والتأويل؟
hakim
إنَّ المؤلف عبر هذه المجموعة قد قام بعملية تصعيد للاستراق من كونه تلصصا أو اختلاسا بسيطا على كافة التفاصيل المهمة أو حتى البسيطة والعادية سواء المتعلقة منها بالشخصيات القصصية أو المكان الذي تدور فيه القصة، هذا الثراء في التفاصيل لا يقصد منه القاص التأثيث المجاني لنصوصه وإنما توجيه القارئ وفتح حواسه وغرائز الفضول لديه على ما يحيط به.
وعندما يقف القارئ مدهوشا أمام التفاصيل المتناثرة التي قد تكون بدون معنى واضح محدد تبرز الحاجة أمامنا للبحث عن إطار أو مرجع يساعدنا في فهم النص. وأبرز مثال على ذلك قصة «العرض».
المجموعة لا تلتزم بخط متصاعد من الأحداث يسير بوتيرة واحدة حسب المعتاد في الكتابة القصصية؛ فعبدالحكيم يبني علاقته مع القارئ الصبور حيث إنه يقول له عليك أن تتأمل وتنظر للحياة وفق ما تحويه المجموعة وما تحمله من أفق.
فقصص عبدالحكيم تنحاز إلى الإنسان وعطشه للحياة، للإنسان في لحظة انكساره، ليس هناك من مواعظ رغم قسوة بعض المشاهد التي يصفها. فالإبداع القصصي في هذه المجموعة له خطان ناظمان وأساسيان هما الانتصار لفن القص صنعة والانتصار للإنسان. كل قصة في هذه المجموعة لها هندسة خاصة، وفوق ذلك كله يولي عبدالحكيم افتتاحيات قصصه وقفلاتها عناية خاصة، فمن خلال الافتتاحيات والقفلات يمكن لنا الدخول بيسر إلى عالم النصوص والإبصار في متاهاتها. كما أن المجموعة تتأسس على تساكن المتضادات فيها وهذا ما يكسب قصص المجموعة مفتاحا مهما في الدخول إلى عوالمها وتفاصيلها المتشعبة.
لا يمكن بطبيعة الحال الوقوف عند كل النصوص ولكن سأختار نماذج أقف عندها لكي أحاول مشاركة فهمي لها معكم عبر الوقوف على قصتين هما العرض، واستراق.
في قصة العرض نجد أن الافتتاحية تلعب إطارا ابتدائيا حاسما في رسم مسار القصة حيث نقرأ «الرجال الذين وقفوا في الشمس لمدة ساعة، شعروا بعطش شديد» (ص 15).
هذه الافتتاحية تتشعب عنها المسارات الأخرى التي تتفرع منها القصة، فبعد هذه الافتتاحية نجد القاص يستثمرها بكل دقة، فالمقطع الثاني يفتتحه بـ «وقفوا» ثم مشهد النساء يطبخن الغداء وهنّ واقفات. ثم مشهد المرأة التي «تقف مائلة، بوضع مريح للغاية» ثم بعد ذلك نجد أن هناك الوضعيات تتغير حيث إن بائع المشروبات يفترش الأرض والرجال الذين شاهدوا العرض افترشوا الأرض بعدما ما اشتروا منه.
الوجه الآخر لتساكن الأضداد في هذه القصة المرأة التي تلبس الثوب الأزرق والتي تفنن الكاتب في ذكر تفاصيلها بينما النساء اللواتي يطبخن بأكمام مبتلة. الرجال الذين يشاهدون العرض والمهرجون يقفون في الشمس بينما النساء في مطابخهن في الظل والمرأة ذات الثوب الأزرق تستظل بظل «جدار كوخ خشبي متداع».
بجانب ذلك نجد أن القاص يتعمد تغييب مكان العرض في حين أنه يشير للمكان الذي يعود إليه الرجال «وصلوا إلى قريتهم دائخين من الحر والجوع، ولكن غير غاضبين» (ص 19). تفصيل «غير غاضبين» أتى في موقعه فبعد كل ذلك التعب والعطش عادوا إلى بيوتهم تصحبهم البهجة بالعودة. بل المقطع الأخير قبل القفلة فيه من التضاد حيث أن الرجال العائدين من مشاهدة العرض عادوا دائخين من الحر والعطش بينما الأغنام والدجاجات بقيت مكانها حيث أنها وجدت طعامها في مكانه.
لماذا تعمد عبدالحكيم وضع قفلة «لم يكن بينهم رجل يجيد الرسم على الزجاج» (ص 19). أسلوب جملة النفي يعتمد عليه عبدالحكيم كثيرا في هذه المجموعة بل إنه استخدمه في قصة العرض في وصف المعتوه. وهذا الأسلوب يأتي في هذه المجموعة للخروج من المشهد المعتاد إلى غير المعتاد. ولكن في جملة القفلة نلاحظ أن الكاتب يتوقف عندها فقط بعكس ما فعل عند حادثة المعتوه والغرض من ذلك إتاحة الفرصة للقارئ لفتح باب التأويل لهذه الجملة بشكل خاص ولمعنى القصة بشكل عام. فالجو الذي كان فيه الرجال الذين شاهدوا العرض كان الخلفية أو الإطار الذي تناثرت بسببه تفاصيل القصة، ولكن الكاتب قام بتضييق نطاق القصة تمهيدا للملمتها وفق اتجاه مخروطي أو قُمعي حيث تشكل قفلة القصة نهاية القُمع الضيقة والتي من خلالها يمكن للقارئ فهم المغزى الكامل للقصة. ففضاء الظهيرة في مقابل الزجاج الملون والمرسوم عليه تفاصيل القصة. فالقصة عبارة عن وصف ما قد رسم على الزجاج، فالقصة كلها وصف للحركة بينما القفلة وصف لسكون التفاصيل على الزجاج. فالكاتب نجح في إسكان المتضادات في نصه وفق رؤيته الفنية التي تخرج من العادي إلى غير العادي ومن المتحرك إلى الساكن.
نلاحظ أن قصة استراق تبدأ باستراق بصري بحيث يعطي السارد تفاصيل في غاية الدقة عن المرأة بحيث لم يترك أدنى تفصيل لم يذكره، حتى إن الاستراق تصاعد من استراق إلى بَحْلقة وتفصيل وكأنه وضع المرأة تحت مجهر مكبر، ويا للغرابة حين يقول البطل/ السارد  «ألح عليّ فضول لأسمع اسمها…..» (ص28)، فلم يعد الاستراق البصري يكفيه بل تحول إلى معرفة اسمها وكأن معرفة الاسم ستقوده لمعرفة تفاصيل أكثر.
يعود السارد لممارسة الاستراق إلى تفاصيل البطاقة الصحية إلى أن يدركه النعاس الذي يأتي ليحدث تحولا في مسار القصة كلية ليصرفها عن مسارها المعتاد ويصعد بها إلى ما لم يكن متوقعًا، فبمجرد ما يدخل البطل الحمّام؛ ليطرد النعاس عن عينيه تدخل القصة في طور آخر، فالقصة كانت تسير في مسار عادي وطبيعي ولكنها تتحول هنا من الضد إلى الضد. هذا التحول يقسّم القصة إلى قسمين، القسم الأول البطل كان يتلصص فيه على المرأة ، بينما في القسم العجائبي يتحول الرجل إلى منظور إليه فبمجرد ما غسل عينيه وتبسم في وجه المرآة حتى اكتشف العين النازفة في أعلى المرآة، فهل كانت تلك العين تترصده منذ دخوله إلى المستشفى؟ ولماذا هي عين امرأة وليست عين رجل مثلا؟ أم هل كانت فترة النعاس التي مرَّ بها البطل هي فترة حدث فيها تحول المرأة المتلصص عليها لتترصد ذهابه إلى الحمام؟ إن وجود الماء والمرأة والمرآة والنعاس في النص يشير إلى معنى التحول أو القابلية للتحول، فالماء بطبيعته متحول والمرأة، كما أن المرآة تعكس ما يظهر أمامها ولكنها في ذات الوقت لديها القدرة على تحويل الأشياء أو بعبارة باشلار  «المرآة صورة ساكنة للماء».
 فمسار هذه القصة مرسوم بدقة متناهية بحيث أن حمولة النص الدلالية تتصاعد وتتكثف في نهاية النص. فهذه القصة تبدأ من نقطة محددة «في الزاوية اليمنى من غرفة الانتظار في المستشفى وقرب النافذة الكبيرة تجلس امرأة شاحبة…» (ص27) وتنتهي «إلى أن أدركت بأنه عين امرأة حمراء دامية تغمض وتفتح وسط الظلام السائل وعتمة غرفة الحمام» (ص 31).
ففي مفتتح القصة هناك التفاصيل واضحة ومفصلة، والوصف ينطلق من الزاوية اليمنى، فينفتح أفق النص إلى أن ينتهي في غرفة الحمام المعتمة، فبين هذين القطبين تدور القصة بين قطبين متناقضين ولكن برغم تناقضهما يؤطران القصة ويمنحانها إطارا مكانيا لحركة البطل وتحولات المكان المحيط به.
 فنهاية النص لدى عبدالحكيم أشبه بنهاية القُمع حيث تتجمع الأشياء عنده لتعبر منه. في هذا القمع تذوب التناقضات والتحولات لنقف عند تلك النقطة تحديدا لتضيء لنا النص كله. فالقارئ هنا منقاد تماما وواقع تحت سلطة المؤلف حيث إن الأخير هو من يقترح الحل المناسب للخروج من متاهة التفاصيل المعقدة. والمؤلف لا يمنح مفاتيح نصوصه بسهوله ولكنه يعطي إشارة إلى أنَّ القصة قد انتهت ولكن المعنى لم ينته بعد، وهذا ما نجح فيه عبدالحكيم عبدالله.

 http://hayaah.net/?p=236266

Tuesday, April 2, 2013

الحق بين الاعتقاد والقيمة 1/3


لقد انشغلت البشرية في طوال مسيرتها على هذه البسيطة بمناقشة وتحليل العديد من القضايا والمفاهيم، وقد حظيت بعض المفاهيم بالكثير من البحث والنقاش على مختلف المستويات الفكرية ودرست من جوانب مختلفة ومتعددة ولفترات زمنية طويلة. وعند الحديث عن كلمة "الحق" نجد أنها تحيط محاطة دلالات ومكتنزة بحمولات فكرية ليس على صعيد لغة او ثقافة منفردة على حدة بل مختلف لغات وثقافات العالم. وبرغم تعدد وتنوع مسميات الحق في لغات العالم، وتنوع وتنوع دلالات ومفاهيم الحق إلا أنها تعتبر من الكلمات المفتاحية في الثقافة الإنسانية وقلما تجد لغة لا تحتوي عليها.وتكتسي كلمة الحق مكانة خاصة ومركزية في ثقافتنا العربية الإسلامية لكون "الحق" اسم من أسماء الله الحسنى.
 

وقد جاء ملف "الحق باعتباره اعتقادا وباعتباره قيمة" الذي نشر ضمن باب "المحور" في مجلة التفاهم في العدد الثامن والثلاثين (خريف 2012م /1433هـ) من باب حرص وعناية أسرة تحرير مجلة التفاهم على بسط القول في هذا المفهوم الإشكالي في الفكر الإنساني بشكل عام. وقد جاء هذا المحور مشتملا على ثماني دراسات تنوعت في مقارباتها للحق. وهذه الدراسات هي "الحق في الخطاب القرأني والمنوكات الكلامية الإسلامية " لرضوان السيد، "فكرة الحق والفناء عند المتصوفة" لمحمد بن الطيب، " النواميس الأفلاطونية وفلسفة الوجود: الحق بين الاعتقاد والقيمة" لراوية عبدالمنعم عباس، " عالم الطبيعة وعالم الدين لدى كانط" لفتحي المسكيني، "العالم إرادة وتمثلا عند شوبنهاور" لأمل مبروك عبدالحليم، "الدين في الفلسفة الحديثة" ل عبدالله السيد ولد أباه، تفكير الفلاسفة واللاهوتيين في الدين أو فلسفة الدين" ل محمد بو هلال ، و " فيخته: أساس الحق الطبيعي".

تأتي الآية القرانية الكريمة (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) مرتكزا أساسيا لكلمة رئيس التحرير بعنوان "الحق باعتباره اعتقادا وباعتباره قيمة" يؤكد الدكتور عبدالرحمن السالمي على أن " الحق في الخطاب القرآني هو الثابت والمتحقق؛ ولذا فهو في أعلى درجاته اسم من أسماء الله تعالى، أما المعاني الثواني أو الفرعية لمفرد الحق، فإن جذرها الأصلي والإلهي يحضر منه الثبات والتحقق، ولا يحضر فيه الإطلاق الذي يقتضيه الوجود الإلهي، وتقتضيه الوحدانية. وبهذا القدر أو بهذا الترتيب يدور الخطاب القرآني حول مسار الحق في سيرورة الدعوة وصيرورتها،  ولذا كان الخيار الواضح في الآية القرانية". ثم يمضي السالمي في استخلاص مضامين الحق في الخطاب القرآني عبر مرتكزين أثنين من حيث أنَّ الحق اعتقاد بوجود الله ووحدانيته وفروض العبادة والولاء والطاعة بمتقضى هذا الاعتقاد. والحق أيضا في ذات الوقت قيمة تتضمن مسارا معينا للإنسان من النواحي الأخلاقية ومن النواحي السلوكية تجاه نفسه وتجاه الأخرين من بني البشر. ثم يخلص السالمي إلى الحق-سواء أكان قبولا أو رفضا- وإن كان اختياريا فإن هذا الاختيار لهو اختيار كبير الآثار والتداعيات. فالذي يقبل ويرتضي هذا خيار الحق وإتباعه إيمانا وسلوكاً فهو يحول هذا الاختيار إلى قيمة محفزة له على خدمة نفسه وخدمة غيره من البشر. بينما تتحول هذه القيمة لدى المنكر لها أو الرافض لمبدأ الحق الواضح إلى النقيض تماما فهنا تقوم على الجحود والإنكار الذي ينال من التكفير كما ينال من السلوك.

في دراسته "الحق في الخطاب القرآني والمنظومات الكلامية" يشير الدكتور رضوان السيد إلى أن النخب الإسلامية في القرن الثاني الهجري قد سلكت ثلاثة مسالك في اتجاه إيجاد أساليب ومقاربات لفهم الخطاب القرآني، والمقاربات هي المقربات اللغوية واللسانية، والمقاربات الفقهية ، والمقاربات الكلامية. ففي كتاب أبي عبدالله الحسين بن محمد الدامغاني الموسوم ب" الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز" نجد أن هناك اثني عشر وجها لتفسير "الحق" وبحسب الدكتور السيد فإنَّ المقاربات اللسانية التي أوصلها تحليلها وفهما لمفردة الحق في الخطاب القرآني إلى الاختلاف في تفريعات واشتقاقات المعاني المختلفة هو بسبب ارتهان اللغويين إلى أن لكل مفردة قرآنية معنى رئيسا ومعاني فرعية وثواني. وهذا يدل على أن مفرد الحق ينطوي على معنى رئيس هو الثبات والإطلاق ولذلك ذكر المفسرون الحق باعتباره اسما من اسماء الله الحسنى فهو عزل وجل حق متحقق بإطلاق. اما الوجوه والمعاني الأخرى الواردة في السياقات المختلفة للمفرد ذاته فإنها تتضمن معنى الثبات الذي ينفرد به المولى عز وجل" ص 13. فتأمل من جهة الثبات والتحقق يقينا بالبرهان أو بشهادة العيان يفضي بنا إلى الوقوف على حقيقة مفادها أنَّ مفرد الحق الوارد في القران زهاء الثلاثمائة مرة بالصيغ الاسمية والفعلية إنما يشكل مفتاحا لفهم جوهر وحقائق الدعوة القرآنية ومسارها الذي يشير إلى الله هو الحق وجودا ووحدانية، القرآن هو الحق والإسلام هو دين الله الحق. وأخيرا فإن الصدق والعدل من المعاني الثواني أو الفرعية الأخرى. وفي الجزئية المتعلقة بالحق في الخطاب القرآني يختم رضوان الشيد حديثه ب" ويرد مفرد الحق في القرآن الكريم في سياقات التمايز والتمييز بين السلوك السليم في مسائل العقيدة، والمسالك المنحرفة في الاعتقاد والسلوك. وفي هذا المعرض أو المعارض يخوض القرآن جدالا متعدد المداخل، وبصيغ مختلفة بينها السؤال الاستدراجي، والسؤال الاستنكاري، والتساؤل العقلاني، وأسلوب الحكيم كما يقول البلاغيون، ليؤول الأمر في كل مرة إلى تقصد الإبلاغ الذي يفتح آفاقا شاسعة للالتقاء على دعوة الحق بالكلمة النيرة الهادية (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) الانفال 7.

أما ما يتعلق بالحق في المنظومات علم الكلام الاسلامي فيشير السيد في البداية إلى البحوث الكلامية تهتم بتصحيح الاعتقاد. وموضوع الاعتقاد هو  موضوع  الحق والباطل: إنه إثبات الحق أو الاقتناع به بالاقتراب بين النصوص والأدلة العقلية. وهو يتضمن المجادلة إنما من موقف ثابت يتنازل أسلوبيا وتكتيكيا، لكنه في  الأعم الأغلب لا يغير قناعاته؛ لأنه واثق من وقوفه على أرض الحق، وغيره – ممن لا يعتقد آراءه وإن لم يكن خصما له- واقف على أرض الباطل" ص15. فمن هذا المطلق كان علم الكلام الثاني بعد علم الفقه من حيث ابتداء العلماء المسلمين بالتأليف والتقعيد له، وترجع أسباب التأليف أو الدوافع للتأليف في علم الكلام إلى أسباب خارجية وداخلية، فالخارجية أتت كرد فعل على مواقف أصحاب الديانات الاخرى من الإسلام كعقيدة ومنهج جديدين. اما الأسباب الداخلية فترجع إلى ثلاثة أسباب هي: الصراع على السلطة أيام علي وعثمان رضي الله عنهما، استخدام السلطات لبعض الأفكار الدينية من اجل الشرعنة والدفاع عن المواقف في وجه الخصوم، اما ثالث هذه الأسباب الداخلية فهو الظواهر القرآنية وخصوصا مسألتي الإيمان والقدر في بادئ الأمر ومن بعد ذلك مسألة تنزيه الله وعدله ورحمته. ويدو النقاش في المحور الكلامي حول خمس مسائل كلامية مرتبة تاريخيا وليس حسب عقائديات المنظومات الكلامية كما فصلها المعتزلة في أصولهم الخمسة، كما أن النقاش يخرج أو ينظر للمائل الكلامية وأسباب ظهورها التي ذكرت سابقا الخارجية والداخلية منها. وهذا المسائل هي ؛ مسألة الإيمان/ القدر والكلمة الحق فيه/ وحدانية الله وتنزيهه/ الحق في الرحمة والحق في العدل/مسألة النبوة.

لقد كانت مسألة الإيمان من أوائل المسائل المثارة في الجدال الكلامي عند المسلمين وقد جاءت هذه القضية بسبب الخلاف السياسي الحاصل ثم تطورت إلى مسألة كلامية فالقضية في الأساس أو منطلق الحوار فيها كان حول دماء الصحابة التي سفكت في النزاع السياسي الحاصل في تلك الفترة المبكرة، وبنهاية القرن الهجري الأول سميت هذه القضية ب" مسألة مرتكب الكبيرة أي مرتكب جريمة القتل" فهل مرتكب الكبيرة خارج عن حد الإيمان؟ هذا ما أثار التنازع على الحق بين مختلف التيارات الكلامية والسياسية في تلك الفترة. وبالنظر إلى مسألة القدر (خلق الأفعال) فإننا نجد أن أسباب ظهورها تعود إلى ثلاثة أمور، الأول هو نظام الأمويين السياسي، الثاني النقاش مع نصارى الشام والثالث هو الجدل الدائر حول آيات القدر وتأويلها من حيث تنزيه الله سبحانه وتعالى وعدله محكمته. وقد قام كل فريق بتوظيف كل ما لديه من وسائل تأويلية وسياسية لفرض وجهة نظره على حساب أراء الآخرين.

يشير السيد في ص 20 إلى أن مسألة وحدانية الله وتنزيه فقد بدأ النزاع حول الحق فيها بين المسلمين والنصارى بشأن التوحيد ومقتضياته، وأدب الرد على النصارى حافل بالحوار حول ألوهية المسيح والتثليث. ولكن الملاحظ أن الجدل في هذه القضية قد انتقل إلى شأن داخلي في الفكر الإسلامي حين بدا النقاش في مسألة الحق في مسألة التنزيه الإلهي. فقد ابتدأ الجدال في هذا الأمر عند الجهمية والمعتزلة حول قضايا التشبيه والتجسيم وامتد الاستشهاد ليشمل القران الكريم والحديث الشريف وامتد النقاش ليصل إلى كلام الله وصفاته.

لقد حظيت مسألة الحق في الرحمة والحق في العدل بنقاش وجدال أيضا فالمعتزلة تسمي الرحمة لطفا ولا يعتبرونها من صفات الله بينما يعتبرون الله عادلا بالأولية ويرى الأشاعرة  أن الحق في المسألة أن الرحمة والعدل كليهما من صفات الله لكن الرحمة هي المقدمة في نظامهم الكلامي؛ فالله سبحانه مع العباد عند المعتزلة بعدله ولطفه، واللطف يتمثل في إرسال الرسل، والاستحثاث على الإيمان والطاعات. اما عند الأشاعر فإن الله سبحانه وتعالى مع عباده دائما برحمته وعنايته وفضله وعندهم أنه لا أحد ينجو بعمله مهما كان صالحا، وإنما كما ذكر القرآن، فإن الله سبحانه كتب على نفسه الرحمة، قال: إن رحمته وسعت كل شيء والرحمة لا تتنافى مع العدل لكنها أعلى ويقع العدل ضمن اعتباراتها الفرعية أو وجوهها الأخرى. ص21-22. وقد كان من نتائج الجدال حول هذه المسألة أن برز مذهبان كلاميان هما: مذهب التنزيه والعدل، ومذهب الرحمة والفضل، وكلا الفريقين يعد مذهبه هو الحق الذي لا مرد له.

أما المسألة الخامسة فكانت حول مسألة النبوة المسألة التي يجمع عليها جميع المسلمين من متكلمين أو غيرهم فالجهود الكلامية الإسلامية هنا جاءت في الرد على المسيحين واليهود في البداية ثم مع بداية القرن الثالث الهجري جرى النقاش مع البراهمة أو الهندوس الذين لا يقولون بالنبوة لعدم الحاجة إليها. وقد جاء الرد عبر استخدام ثلاث طرق تضمنت الاستدلال بالإشارات الواردة في التوراة والإنجيل عن النبي صلي الله عليه وسلم، الاستدلال بإعجاز القرآن والاستدلال برحابة الدعوة النبوية وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

ويختم السيد مقاله بأن المنظومات الكلامية ما كانت ناجمة مباشرة عن الخطاب القراني بل تأثرت كثيرا بظروف التجربة التاريخية للمسلمين وبظروف المدارس الكلامية المختلفة، ولذلك فقد ظلت متباينة وكثر حولها الخلاف، وهكذا يبقى الحق القرآني فوق التاريخ وفي قلبه، بينما جرى تجاوز التجربة التاريخية وكلامها وفقهها بالأمة التي تحتضن القرآن والرسالة، واجتهاداتها وإجماعاتها".