Tuesday, April 28, 2015

قراءة في كتاب مقالات مختارة لفاليري هوفمان

مقالات مختارة لفاليري هوفمان
 يحمل هذا الكتاب الرقم 11 ضمن سلسلة دراسات استشراقية في المذهب الإباضي الصادرة عن بيت الغشام للنشر والترجمة، والسلسلة هذه تصدر بإشراف من قبل الدكتور عبدالرحمن السالمي رئيس تحرير مجلة التفاهم (التسامح سابقا). وقام بترجمة مقالات الكتاب كل من عبدالوهاب الداب و موحمد ؤمادي.
           وهذا الكتاب هو الأول الذي يفتح الباب للولوج إلى جهود المدرسة الاستشراقية الامريكية في قراءة المذهب الأباضي. ففي المقدمة التي مهد بها الدكتور عبدالرحمن السالمي لهذه المقالات يشير بشكل موجز إلى الأداور التي قامت بها الحركة الاستشراقية الامريكية فيما يتعلق بعمان بشكل عام، حيث أنّ لعمان رصيد يستحق الدراسة في أرشيف الارسالية الإصلاحية الأمريكية، وكذلك في الدراسات التي قام بها القسم الثقافي لشركة الزيت العربية الأمريكية "آرامكو"، هذا عدا عن ما تحفل بها توثيقات وملاحظات الأمريكان الذين زاروا عمان ومن أهمها في ذلك ملاحظات ويندل فيليبس.
           يشكل عام 1832 علامة فارقة في العلاقة العمانية الأمريكية حيث تم توقيع الاتفاقية الدبلوماسية المشتركة بين الطرفين، فبسبب هذه الاتفاقية التفت الأمريكان إلى الأهمية التى تحتلها زنجبار، كما أنَّ زنجبار كانت البوابة التي ولج منها الاستشراق الأمريكي لدراسة عمان. ومن أهم الدراسات التي درست التاريخ العماني ما قام به روبرت لاندن في كتابه (عمان منذ 1956) والذي صدر في نهاية الستينات من القرن الماضي. في السبعينيات ومع انتشار بعثات السلام ومنح (فلبرايت) برز ثلاثة باحثين أمريكان فيما عاشوا في عمان وكانت لهم دراسات وعلاقات بسبب طول مدة الإقامة في عمان، وهم الزوجان كرستينا وديل إيكلمان، وجون بيترسون.
           قامت كرستينا إيكليمان في نهاية السبعينيات بعمل دراسة أنثربولوجية عن ولاية الحمراء. أما زوجها ديل إيكيلمان فهو من المتخصصين في الدراسات الانثربولوجية وتحديدًا في أنثربولوجيا الاسلام في كلية ديرموث بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد سبق لديل أن أنهى أطروحته المهمة عن علاقة المعرفة بالسلطة في المغرب حيث درس فيها العلاقة المشتركة بين العلماء المالكيين والعائلة الملكية العلوية. وقد أجرى ديل عددا من الدراسات المتعددة عن عمان نشرت في دوريات علمية مختلفة.
           يعتبر جون بيترسون واحدا من أبرز المتخصصين الأمريكيين في الدراسات التاريخية الخليجية المعاصرة وتركزت كتاباته عن تاريخ عمان المعاصر في القرن العشرين وهو كاتب مستقل ومقيم في آريزونا ولكنه قبل ذلك أقام فترة طويلة في عمان مكنته من الإطلاع الواسع على الوثائق والآراشيف.      
           أما كاتبة المقالات المنشورة ضمن هذا الإصدار فهي البروفيسورة فاليري هوفمان والتي تعمل في قسم اللاهوت بجامعة إلينوي. أقامت فاليري في السلطنة في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم. ولها اهتمامات متنوعة منها عنايتها بالعقيدة الإباضية المعاصرة، وقد كان التصوف مدخلها لدراسة العقيدة الإباضية المعاصرة  حيث بدأت رحلتها العلمية من شرق أفريقية إلى سلطنة عمان وذلك بصورة معاكسة عما هو مألوف. كما تمزج هوفمان في دراساتها الأكاديمية بين التاريخ والانثروبولوجيا والعلوم العقدية وبذا يتكون مزيج جديد من الدراسات العقدية الممتعة والتي تعيننا في فهم القضايا اللاهوتية المعاصرة بصورة سلسة.
           ضم الكتاب بين دفتيه دراسات ونظرات فاحصة لطبيعة التفاعل الديني للوجود العماني في زنجبار في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، حيث ناقشت طبيعة العلاقة بين العلماء الاباضية الشافعية وكذلك طبيعة التفاعل مع الخطاب التبشيري الذي كان في بداياته في تلك الفترة في شرق أفريقيا.
           مقالات  الكتاب تنقسم إلى قسمين رئيسين لهما عنوانين مستقلين هما:
1-    حمل القسم الأول من الكتاب عنوان: التفاعل بين علماء الإباضية والسنية في زنجبار القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ويتكون هذا القسم من مقالات تحمل العناوين الآتية:
-          أصول ومميزات المذهب الأباضي.
-           حكم آل سعيد في زنجبار.
-         اعتناق بعض الإباضية للمذهب السني.
-         دفاع المنذري عن الإباضية .
-         التفاعل السني الإباضي.
-         خاتمة.
2-    جاء القسم بعنوان : المذهب الإباضي ، واشتمل على تقديم وخاتمة ومقالتين هما:
-         تموقع الهوية الإباضية في عمان الحديثة وزنجبار
-         التقابل الإسلامي المسيحي في زنجبار القرن التاسع عشر.

وقبل الدخول في عوالم قراءة هذا الكتاب من المهم التنبيه إلى أنَّ هذه القراءة معنية بالوقوف عند الخطوط العامة التي تمت إثارتها في المقالات التي وردت في الكتاب بقسميه، حيث أننا لن نتوقف عند كل مقالة على حدة بل سيكون التركيز على تلك الخطوط العامة أو النوافذ التي  تم فتحها وتحتاج منا إلى مزيد تعميق وفهم لها، حتى نتمكن من تعلم وفهم المنطلقات التي تستند عليها الباحثة والتفكير في الظاهرة الدينية بشكل أعمق وأشمل.
من خلال العناوين يتضح لنا الاشتغال البحثي الذي قامت به الباحثة وهو هنا الجانب الديني أو التفاعلات الدينية المصاحبة للوجود العماني في زنجبار، هذا التفاعل الذي انطلق من الفترة التي تلت استقرار السيد سعيد بن سلطان في زنجبار واتخاذها عاصمة لملكه في عام 1832م وحينما انتقل تبعه جمع غفير من العمانيين من علماء أو عامة الشعب، ويبدو أنه قد قرَّ في ذهن السيد سعيد أن يحيط نفسه بعدد كبير من العلماء من مختلف المذاهب حيث استقطبهم من عمان وسواحل الصومال ولامو وكينيا وجزر القمر. هذا عدا أن زنجبار قد استقطبت طوائف دينية مختلفة من البهرة والإثنى عشرية والبهائية والصابئة والبوذيين وعبدة النار والهندوس هذا بجانب وجود السكان الأصليين الذين يعتنقون أديانا أفرقية المنشأ أصلا. كل هذا المزيج العرقي والديني لا محالة أنه قد انتج تفاعلات وساعد على إيجاد حالة من الوئام والتعايش السلمي في زنجبار القرن التاسع عشر وهذا ما سنقرأه في هذا الكتاب.
من المهم هنا التطرق إلى النوافذ التي فتحتها مقالات الكتاب في إطار الرؤية الكبرى للكتاب ككل، وهذا النوافذ هي نتاج خلاصة قرائية ككل وليس لكل مقالة على حدا:
1-    نجد أن موقف السلطة السياسية يتفاوت من تيار إلى آخر ومن حاكم لآخر فبينما كان السيد سعيد يسعى إلى استقطاب العلماء من كل المذاهب الاسلامية ومعاملتهم على السواء وفهو يأمر بتعيين القضاة بحسب المذهب الذي ينتمي إليه رعايا كل منطقة. إلا اننا فيما يخص علاقة السيد سعيد بالاباضية وخصوصا الشيخ ناصر بن أبي نبهان نجد أن الباحثة تشير إلى أن هذه العلاقة قائمة على التوتر الذي كان منشأه في عمان قبل انتقال السيد سعيد إلى زنجبار، في المقابل نجد أن هناك علماء من المناذرة وعلى رأسهم الشيخ محمد بن علي المنذري (توفي 1869) ولا تشير الباحثة إلى أي علاقة توتر بين العائلة والسيد سعيد  بل إن الشيخ محمد ومن ثم ابنه كانوا علي منخرطين في السجالات العقدية والكلامية مع علماء الشافعية.
في عهد السيد ماجد بن سعيد (حكم في الفترة1870-1856) نجد هناك تسامحا من قبله تجاه الذين تحولوا من المذهب الاباضي إلى السني  بل إن السيد ماجد يشجع ويفتح باب الحوار والرد ونجد الباحثة تحيل إلى ما كتبه الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي حول ذلك، عندما طلب السيد ماجد من الشيخ علي بن عبدالله المزروعي (تحول عن مذهبه الاباضي إلى السني وتسامح معه السيد ماجد) أن يقوم بكتابة رد على (كتاب الخلاصة الدامغة) الذي ألفه الشيخ محمد المنذري والذي ضمنه جدالا عقديا حول ما ترجحه المدرسة الاباضية لقضايا رؤية الله وغيرها من الأمور العقدية والكلامية. أما فيما يخص موقف السيدد ماجد من الحركات التبشيرية فنجده يحذر المبشرين من محاولة استمالة أي من المسلمين وتحويله عن دين الإسلام إلى المسيحية بل قام بسجن قام بالتحول إلى المسحية، في حين أنه تسامح مع النشاط التبشيري الذي تمت ممارسة مع العبيد المحررين.
في عهد السيد برغش الذي تولى الحكم في 1870 نجد هناك تحولا في الموقف من المتحولين من المذهب الإباضي إلى مذهب أهل السنة بل إنه قد قام بسجن عدد ممن قاموا بتبديل مذهبهم. كما نجد في ذات الوقت أن السيد برغش كان له مستشارون مقربون من أهل السنة كما منح المبشرين الأنجليكان من بعثة الجامعات إلى شرق أفريقيا رخصة لبناء كاتدرائية ضخمة وسط المدينة مكان سوق العبيد الذي أغلقه برغش سنة 1873م.
فمن خلال ما تم إيراده نلمح أن هناك تغيرًا وتبدلًا في موازين العلاقة بين السلطة السياسية والأطراف الممثلة للتيارات الإسلامية وهو ما يدعو إلى الحاجة لفهم هذه القضية في إطار أكثر عمقا لفهم المنطلقات التي ينظر من خلالها كل حاكم ومتى تأثير وتأثر الحاكم بالمناخ الديني العام في زنجبار وبحسب الأحداث السياسية وتصارع القوى في فترات الحكم. بل ما هي المنطلقات التي يعتمد عليها الحاكم في فتح أفق الجدل الديني وقوة التدخل والحجب والمنع في حالة التحول من مذهب إلى مذهب أو من دين إلى آخر؟
2-    الباحثة في الكتاب تؤكد على أمر في غاية الأهمية وهو مدى أهمية الدور الذي لعبته حركة التنقل من الموطن الأصلي باتجاه زنجبار ومن ثم الرجوع إلى الموطن الأصلي فالحضارمة مثلا كانوا يتزوجون من نساء المناطق التي يستقرون فيها ولكنهم كانوا يحرصون على إرسال أبنائهم إلى حضرموت من أجل التعلم والتشبع بالقيم الثقافية والروحية المبنية على أسس التصوف وحب الرسول ومن ثم العودة إلى زنجبار ونجدها أي المؤلفة في جانب آخر تشير إلى المدى الذي لعبته المرجعيات الفكرية الاباضية القادمة من عمان في تشكيل وعي كثير من أبناء زنجبار المنتمين إلى المذهب الإباضي.
كما تحدد الباحثة أن "موجات الانتقالات بين علماء زنجبار خفتت في القرن العشرين وبحلول هذا القرن أصبح كل العلماء الذين يدرسون أو يدرسون هم من زنجبار والذين ولدوا فيها يكون احتمال سفرهم من اجل طلب العلم ضئيلا" ص 20-21. وهذا مؤشر مهم على ما وصلت إليه الحركة العلمية في زنجبار من استقرار وثبات.
3-    أعطت الباحثة على حالتين إباضيتين كان لهما دور مهم في زنجبار، ولكنها أي الباحثة من خلال قراءة الكتاب نستطيع فهم طبيعىة كل حالة كما سنرى.
الحالة الأولى تتمثل في الشيخ محمد بن علي المنذري ومن بعده ولده الشيخ علي اللذان يشكلان امتدادًا لعائلة عمانية راسخة في العلم ولها جذور ثابتة في المكان الزنجباري. لقد انخرط الشيخان في القضايا السجالية سواء مع أهل السنة من الشافعية في حالة الوالد وفي الرد على النصارى حالة الولد فبرغم من تمكن وتضلع الاخير في الانجليزية كما تجلى في رده على الرسالة النسطورية إلا أننا أنهما يمثلان الذهنية الإباضية التي تحافظ على الجذور الفقهية والعقدية إلى أبعد مدى.
أما الحالة الثانية فهي حالة الشاعر أبي مسلم البهلاني لدرجة ان الباحثة قد قامت بتوصيفها على أن البهلاني يشكل بحسب عبارتها بأنه كان "خليطا عجيبا من التناقضات" ص 51. ومنبع ذلك هو ما اتصف به البهلاني من انفتاحه عن سابقيه من علماء الإباضية برغم حداثة مجيئه إلى زنجبار بعكس الشيخان المنذريان كما أشرنا سابقا. فالبهلاني شاعر وفقيه إباضي وصحفي ومتصوف وله صلات عدة مع رواد الإصلاح في العالم الإسلامي، كما أنه من كبار مناصري بل داعمي الإمامة الإباضية في موطنه الأصلي عمان. فالبهلاني رغم أنه يملك رصيدا معرفيا وروحيا يؤهله للنهل من الثراء الفكري الذي كانت تعيشه زنجبار بسبب تكونه ونضجه الفكري المبكر في عمان، إلا أنَّ البهلاني يمكن اعتباره خير ممثل للذهنية الإباضية القادرة على التجاوز والتجديد من الإبقاء على الأسس والثوابت العقدية مع محاولة طرح رؤية إسلامية عامة غير مرتبطة بالهوية المذهبية الضيقة.
إن من الأهمية بمكان أن يتم إيلاء الحركية التي مرت بها الذهنية الإباضية وانفتاحها على التجربة الزنجبارية ومدى قدرة هذه الذهنية على تجديد سياقات فهم الهوية الذاتية وطرحها في ثوب يتلائم مع الفضاء الجديد. ومن ثم تتبع مسار هذا الانفتاح في حال الرجوع إلى الموطن الأصلي عمان.
4-     تورد هوفمان في كتابها إشارتين ذواتا دلالة مهمة وهي مدى القدرة على التحاور مع المراجع الفكرية القديمة عند الإباضية ومن ثم تهذيبها وتقريبها بشكل يتلائم مع العصر. فالشيخ على بن محمد المنذري قد ألف في عام 1869 كتابا عنوانه "نهج الحقيقة" وهو خلاصة لكتاب الاستقامة وهو مرجع إباضي كبير هو أبي سعيد الكدمي حيث يبرر سبب تأليفه للكتاب بقوله :" لقد رأيت العديد من إخواننا في الدين يكرهون قراءة كتاب الاستقامة لأنه مليء بالتكرار ولهذا عجزوا عن فهمه. وهذا الكتاب (نهج الحقيقة) يرمي إلى شرح معاني كتاب الاستقامة بطريقة سهلة وبدون تفريط في أي معنى من معانيه، وفي الحقيقة فقد زدت بعض الإضافات" ص 29. كما نجد أن البهلاني بين سنتي 1919 و 1920 قد قام بتأليف كتاب العقيدة الوهبية وهو كتاب يختصر المسائل العقدية التي ترد في المراجع الاباضية القديمة وقد خصص البهلاني هذا الكتاب لطلبة الشريعة المبتدئين لفهم الأصول العقدية الإباضية بصورة سلسة وواضحة.
فمن خلال هاتين الإشارتين ندرك مدى القدرة على إعادة النظر في التراث العماني واختصاره وإعادة إنتاجه بصورة تخدم حاجات الاجيال الجديدة من الإباضية في زنجبار.
5-     لقد لعبت اللغات العربية والسواحيلية والإنجليزية دورا مهما في الجدل الفكري والحوار العقدي سواء ذالك الذي كان بين الإباضية والشافعية أو بين المسلمين والمبشرين. وإن لم تكن الباحثة لم تلتفت لهذه النقطة تحديدا إلا أن النظر في هذا الموضوع  يفتح الباب واسعًا لفهم الأدوار التي لعبتها تلك اللغات في تلك السجالات الفكرية والعقدية.
6-    شكلت الصحافة وحركة الطباعة عاملان مهمان في السجالات المذهبية والدينية فقد دفع السيد برغش بكل جهده من أجل دعم ونشر الكتب والأفكار الإباضية عبر الصحافة والطباعة. فقد قام المبشرون بتوظيف كافة الإمكانات في سبيل طباعة ونشر الأفكار المسيحية. فالصحافة والطباعة كانت وسائل معينة في دعم وتقوية السجال الفكري ولكن لا شك أنه قد حدث تحول في الوظيفة لاحقا، ومع ذلك يبقى هذا التوظيف العقدي لهما من الأهمية بمكان في فهم الوسائل التي تم توظيفها في تثبيت الهوية الإباضية في الوسط الزنجباري الذي كان يمور بالكثير من التفاعلات والتحولات هذا بالطبع إلى جانب توظيف القوة السياسية بطيعة الحال لدعم وترسيخ هذا التوجه.
تساؤلات بين يدي الكتاب:
1-    عند حديث الباحثة عن حالات تحول بعض المنتمين إلى المذهب الإباضي إلى مذهب أهل السنة نجد أن الباحثة تحيل إلى مصدر واحد وهو كتاب الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي في حين أننا في حاجة إلى مصدر آخر محايد على الأقل يشير إلى عملية التحول. كما اننا بحاجة  لفهم الاسباب والظروف المؤدية إلى هذا التحول. 
2-    بالرغم من أهمية الكتاب إلا أنه قد تم حصر التفاعلات الدينية في إطار الجدل الذي كان بين الاباضية والشافعية من جهة، والعلماء المسلمين من المذهبين مع الحملات التبشيرية في حين أننا نعلم ان هناك مذاهب دينية سواء الإسلامية منها أو الهندوسية أو غيرها كانت حاضرة بقوة في زنجبار ولها خطاباتها ومنابرها. فلربما هناك مقالات أو دراسات أخرى توضح لحظات التقابل والتفاعل التي تمت بين علماء الإباضية وممثلي تلك التيارات التي أشرنا إليها أعلاه. فهل التفاعلات التي ركزت عليها الباحثة هي التي كانت الأبرز؟
3-    ركزت الباحثة على الجوانب العقدية التي طرحها العلماء الإباضية في زنجبار وهي تركز على نتاج علي بن محمد المنذري دون الإشارة إلى علماء إباضية آخرين ربما يكونوا على اشتغال بنفس الجانب أو ساهموا في دفع عجلة الجدل بعيدا.
4-    هانك بعض الإشارات إلى التصوف في بعض مقالات الكتاب ونجد الباحثة في ص 56 في الكتاب توجه نقدها للمصادر الغربية التي لم تولي أي اهتمام للتجربة الصوفية العمانية "... زد على ذلك أن كل الأعمال الغربية حول الإباضية تجاهلت البعد الصوفي عند الإباضية ولم تذكر الاعمال الشعرية لعلماء عمان". ولكننا لا نجد دراسة تقف عند الدور الذي لعبه التصوف في التفاعل والجدل الفكري بين الإباضية والشافعية ولا نعلم فيما إذا ما كان التصوف قد لعب دورا في عملية تحول بعض العمانيين من الإباضية إلى المذهب الشافعي.

 ملاحظات على الكتاب:
1-    بالرغم من أهمية المحتوى إلا أن عنوان الكتاب قد لا يكون لافتا للقارئ العابر فمقالات مختارة لفاليري هوفمان لا يحيل او لا يحمل الصبغة العلمية والرصانة المعرفية المتمثلة في محتوى الكتاب كما قد يكون اسم فاليري هومان غير معروف للكثير من القراء في عمان فكان من الجيد على الأقل أن يمنح الكتاب عنوان يزيل اللبس عنه لكون العنوان هو نقطة اللقاء الأول بين القارئ والكتاب.
2-    هناك أمر آخر مهم وهو غياب مبرر اختيار هذه المقالات دون غيرها وإن كان بإمكان القارئ المتفحص بالطبع أن يفهم الرابط بين المقالات بعد الانتهاء من الكتاب إلا أنه من الاهمية بمكان ومن حق القارئ منذ البداية أن يوضع في المسار الذي جاءت فيه هذه المقالات وأسباب وبواعث الاختيار ولا حتى مكان وتاريخ نشر هذه المقالات في اللغة الانجليزية.
3-    ثم انه ثمة أمر غاب عن هذا الكتاب وهو عدم وجود مسرد ببيلوجرافي بمؤلفات وكتابات هوفمان وذلك حتى يتمكن القارئ من الوقوف على نتاجها الآخر الذي لم يترجم بعد.
4-    بجانب ذلك نجد ان هناك تعليقات في هوامش ص 64 و 70 لا ندري إن كانت من صنع المترجمين أو غيرهم.

5-    هناك الكثير من الهفوات في ترجمة بعض الأسماء والعناوين والأماكن كان من الجيد لو تم إيلاء بعض العناية و التدقيق للخروج بنص خال من العيوب.

Tuesday, March 25, 2014

تساكن الأضداد في مجموعة استراق

«استراق» هي المجموعة القصصية الثانية لعبدالحكيم عبدالله بعد «مساس» الصادرة عن وزارة التراث والثقافة في 2006م. وإن كان هناك فاصل زمني طويل بين المجموعتين فإنَّ هناك ما يبرر طول المدة على الأقل لي أنا شخصيا، حيث إن عبدالحكيم أعتبره واحدًا من الأصوات التي تشتغل على تجربتها بصبر وتمكن وروية.
يجدر بنا قبل الدخول إلى عوالم المجموعة التوقف عند عنوان المجموعة أولا لنشرح من خلاله المعنى الذي حمل عنوان هذه القراءة. يورد ابن منظور في لسان العرب في مادة (س ر ق) أنّ الاستراق يأتي بمعنى اختلاس النظر والسمع، واسترق السمع أي استرق مستخفيا، ويقال يُسارق النظر إليه إذا اهتبل غفلته لينظر إليه. فالعنوان إذن لم يأت اعتباطًا بل هو عتبة مهمة من عتبات فهم النصوص القصصية التي تبلغ (11) نصًا قصصيًا. دون أن ننسى بالطبع أن استراق هو عنوان داخلي لأحد النصوص، ولكن العنوان الرئيس يحيلنا إلى الأهمية التي يوليها المؤلف للحواس فجموعته الأولى كما ذكرنا تحمل عنوان (مساس) وهنا (استراق) وهذا ملمح مهم من ملامح العنونة عند عبدالحكيم.
فالاستراق تشترك فيه بحسب ابن منظور حاستا السمع والنظر ولكن هل ما تراه العين يختلف عما تسمعه الأذن؟ هل أراد المؤلف القول هنا أن لنصوصه فضاءً متعدد الدلالات ليفسح لنفسه ولنا أيضًا مجالا وأفقًا أكثر رحابة للفهم والتأويل؟
hakim
إنَّ المؤلف عبر هذه المجموعة قد قام بعملية تصعيد للاستراق من كونه تلصصا أو اختلاسا بسيطا على كافة التفاصيل المهمة أو حتى البسيطة والعادية سواء المتعلقة منها بالشخصيات القصصية أو المكان الذي تدور فيه القصة، هذا الثراء في التفاصيل لا يقصد منه القاص التأثيث المجاني لنصوصه وإنما توجيه القارئ وفتح حواسه وغرائز الفضول لديه على ما يحيط به.
وعندما يقف القارئ مدهوشا أمام التفاصيل المتناثرة التي قد تكون بدون معنى واضح محدد تبرز الحاجة أمامنا للبحث عن إطار أو مرجع يساعدنا في فهم النص. وأبرز مثال على ذلك قصة «العرض».
المجموعة لا تلتزم بخط متصاعد من الأحداث يسير بوتيرة واحدة حسب المعتاد في الكتابة القصصية؛ فعبدالحكيم يبني علاقته مع القارئ الصبور حيث إنه يقول له عليك أن تتأمل وتنظر للحياة وفق ما تحويه المجموعة وما تحمله من أفق.
فقصص عبدالحكيم تنحاز إلى الإنسان وعطشه للحياة، للإنسان في لحظة انكساره، ليس هناك من مواعظ رغم قسوة بعض المشاهد التي يصفها. فالإبداع القصصي في هذه المجموعة له خطان ناظمان وأساسيان هما الانتصار لفن القص صنعة والانتصار للإنسان. كل قصة في هذه المجموعة لها هندسة خاصة، وفوق ذلك كله يولي عبدالحكيم افتتاحيات قصصه وقفلاتها عناية خاصة، فمن خلال الافتتاحيات والقفلات يمكن لنا الدخول بيسر إلى عالم النصوص والإبصار في متاهاتها. كما أن المجموعة تتأسس على تساكن المتضادات فيها وهذا ما يكسب قصص المجموعة مفتاحا مهما في الدخول إلى عوالمها وتفاصيلها المتشعبة.
لا يمكن بطبيعة الحال الوقوف عند كل النصوص ولكن سأختار نماذج أقف عندها لكي أحاول مشاركة فهمي لها معكم عبر الوقوف على قصتين هما العرض، واستراق.
في قصة العرض نجد أن الافتتاحية تلعب إطارا ابتدائيا حاسما في رسم مسار القصة حيث نقرأ «الرجال الذين وقفوا في الشمس لمدة ساعة، شعروا بعطش شديد» (ص 15).
هذه الافتتاحية تتشعب عنها المسارات الأخرى التي تتفرع منها القصة، فبعد هذه الافتتاحية نجد القاص يستثمرها بكل دقة، فالمقطع الثاني يفتتحه بـ «وقفوا» ثم مشهد النساء يطبخن الغداء وهنّ واقفات. ثم مشهد المرأة التي «تقف مائلة، بوضع مريح للغاية» ثم بعد ذلك نجد أن هناك الوضعيات تتغير حيث إن بائع المشروبات يفترش الأرض والرجال الذين شاهدوا العرض افترشوا الأرض بعدما ما اشتروا منه.
الوجه الآخر لتساكن الأضداد في هذه القصة المرأة التي تلبس الثوب الأزرق والتي تفنن الكاتب في ذكر تفاصيلها بينما النساء اللواتي يطبخن بأكمام مبتلة. الرجال الذين يشاهدون العرض والمهرجون يقفون في الشمس بينما النساء في مطابخهن في الظل والمرأة ذات الثوب الأزرق تستظل بظل «جدار كوخ خشبي متداع».
بجانب ذلك نجد أن القاص يتعمد تغييب مكان العرض في حين أنه يشير للمكان الذي يعود إليه الرجال «وصلوا إلى قريتهم دائخين من الحر والجوع، ولكن غير غاضبين» (ص 19). تفصيل «غير غاضبين» أتى في موقعه فبعد كل ذلك التعب والعطش عادوا إلى بيوتهم تصحبهم البهجة بالعودة. بل المقطع الأخير قبل القفلة فيه من التضاد حيث أن الرجال العائدين من مشاهدة العرض عادوا دائخين من الحر والعطش بينما الأغنام والدجاجات بقيت مكانها حيث أنها وجدت طعامها في مكانه.
لماذا تعمد عبدالحكيم وضع قفلة «لم يكن بينهم رجل يجيد الرسم على الزجاج» (ص 19). أسلوب جملة النفي يعتمد عليه عبدالحكيم كثيرا في هذه المجموعة بل إنه استخدمه في قصة العرض في وصف المعتوه. وهذا الأسلوب يأتي في هذه المجموعة للخروج من المشهد المعتاد إلى غير المعتاد. ولكن في جملة القفلة نلاحظ أن الكاتب يتوقف عندها فقط بعكس ما فعل عند حادثة المعتوه والغرض من ذلك إتاحة الفرصة للقارئ لفتح باب التأويل لهذه الجملة بشكل خاص ولمعنى القصة بشكل عام. فالجو الذي كان فيه الرجال الذين شاهدوا العرض كان الخلفية أو الإطار الذي تناثرت بسببه تفاصيل القصة، ولكن الكاتب قام بتضييق نطاق القصة تمهيدا للملمتها وفق اتجاه مخروطي أو قُمعي حيث تشكل قفلة القصة نهاية القُمع الضيقة والتي من خلالها يمكن للقارئ فهم المغزى الكامل للقصة. ففضاء الظهيرة في مقابل الزجاج الملون والمرسوم عليه تفاصيل القصة. فالقصة عبارة عن وصف ما قد رسم على الزجاج، فالقصة كلها وصف للحركة بينما القفلة وصف لسكون التفاصيل على الزجاج. فالكاتب نجح في إسكان المتضادات في نصه وفق رؤيته الفنية التي تخرج من العادي إلى غير العادي ومن المتحرك إلى الساكن.
نلاحظ أن قصة استراق تبدأ باستراق بصري بحيث يعطي السارد تفاصيل في غاية الدقة عن المرأة بحيث لم يترك أدنى تفصيل لم يذكره، حتى إن الاستراق تصاعد من استراق إلى بَحْلقة وتفصيل وكأنه وضع المرأة تحت مجهر مكبر، ويا للغرابة حين يقول البطل/ السارد  «ألح عليّ فضول لأسمع اسمها…..» (ص28)، فلم يعد الاستراق البصري يكفيه بل تحول إلى معرفة اسمها وكأن معرفة الاسم ستقوده لمعرفة تفاصيل أكثر.
يعود السارد لممارسة الاستراق إلى تفاصيل البطاقة الصحية إلى أن يدركه النعاس الذي يأتي ليحدث تحولا في مسار القصة كلية ليصرفها عن مسارها المعتاد ويصعد بها إلى ما لم يكن متوقعًا، فبمجرد ما يدخل البطل الحمّام؛ ليطرد النعاس عن عينيه تدخل القصة في طور آخر، فالقصة كانت تسير في مسار عادي وطبيعي ولكنها تتحول هنا من الضد إلى الضد. هذا التحول يقسّم القصة إلى قسمين، القسم الأول البطل كان يتلصص فيه على المرأة ، بينما في القسم العجائبي يتحول الرجل إلى منظور إليه فبمجرد ما غسل عينيه وتبسم في وجه المرآة حتى اكتشف العين النازفة في أعلى المرآة، فهل كانت تلك العين تترصده منذ دخوله إلى المستشفى؟ ولماذا هي عين امرأة وليست عين رجل مثلا؟ أم هل كانت فترة النعاس التي مرَّ بها البطل هي فترة حدث فيها تحول المرأة المتلصص عليها لتترصد ذهابه إلى الحمام؟ إن وجود الماء والمرأة والمرآة والنعاس في النص يشير إلى معنى التحول أو القابلية للتحول، فالماء بطبيعته متحول والمرأة، كما أن المرآة تعكس ما يظهر أمامها ولكنها في ذات الوقت لديها القدرة على تحويل الأشياء أو بعبارة باشلار  «المرآة صورة ساكنة للماء».
 فمسار هذه القصة مرسوم بدقة متناهية بحيث أن حمولة النص الدلالية تتصاعد وتتكثف في نهاية النص. فهذه القصة تبدأ من نقطة محددة «في الزاوية اليمنى من غرفة الانتظار في المستشفى وقرب النافذة الكبيرة تجلس امرأة شاحبة…» (ص27) وتنتهي «إلى أن أدركت بأنه عين امرأة حمراء دامية تغمض وتفتح وسط الظلام السائل وعتمة غرفة الحمام» (ص 31).
ففي مفتتح القصة هناك التفاصيل واضحة ومفصلة، والوصف ينطلق من الزاوية اليمنى، فينفتح أفق النص إلى أن ينتهي في غرفة الحمام المعتمة، فبين هذين القطبين تدور القصة بين قطبين متناقضين ولكن برغم تناقضهما يؤطران القصة ويمنحانها إطارا مكانيا لحركة البطل وتحولات المكان المحيط به.
 فنهاية النص لدى عبدالحكيم أشبه بنهاية القُمع حيث تتجمع الأشياء عنده لتعبر منه. في هذا القمع تذوب التناقضات والتحولات لنقف عند تلك النقطة تحديدا لتضيء لنا النص كله. فالقارئ هنا منقاد تماما وواقع تحت سلطة المؤلف حيث إن الأخير هو من يقترح الحل المناسب للخروج من متاهة التفاصيل المعقدة. والمؤلف لا يمنح مفاتيح نصوصه بسهوله ولكنه يعطي إشارة إلى أنَّ القصة قد انتهت ولكن المعنى لم ينته بعد، وهذا ما نجح فيه عبدالحكيم عبدالله.

 http://hayaah.net/?p=236266

Tuesday, April 2, 2013

الحق بين الاعتقاد والقيمة 1/3


لقد انشغلت البشرية في طوال مسيرتها على هذه البسيطة بمناقشة وتحليل العديد من القضايا والمفاهيم، وقد حظيت بعض المفاهيم بالكثير من البحث والنقاش على مختلف المستويات الفكرية ودرست من جوانب مختلفة ومتعددة ولفترات زمنية طويلة. وعند الحديث عن كلمة "الحق" نجد أنها تحيط محاطة دلالات ومكتنزة بحمولات فكرية ليس على صعيد لغة او ثقافة منفردة على حدة بل مختلف لغات وثقافات العالم. وبرغم تعدد وتنوع مسميات الحق في لغات العالم، وتنوع وتنوع دلالات ومفاهيم الحق إلا أنها تعتبر من الكلمات المفتاحية في الثقافة الإنسانية وقلما تجد لغة لا تحتوي عليها.وتكتسي كلمة الحق مكانة خاصة ومركزية في ثقافتنا العربية الإسلامية لكون "الحق" اسم من أسماء الله الحسنى.
 

وقد جاء ملف "الحق باعتباره اعتقادا وباعتباره قيمة" الذي نشر ضمن باب "المحور" في مجلة التفاهم في العدد الثامن والثلاثين (خريف 2012م /1433هـ) من باب حرص وعناية أسرة تحرير مجلة التفاهم على بسط القول في هذا المفهوم الإشكالي في الفكر الإنساني بشكل عام. وقد جاء هذا المحور مشتملا على ثماني دراسات تنوعت في مقارباتها للحق. وهذه الدراسات هي "الحق في الخطاب القرأني والمنوكات الكلامية الإسلامية " لرضوان السيد، "فكرة الحق والفناء عند المتصوفة" لمحمد بن الطيب، " النواميس الأفلاطونية وفلسفة الوجود: الحق بين الاعتقاد والقيمة" لراوية عبدالمنعم عباس، " عالم الطبيعة وعالم الدين لدى كانط" لفتحي المسكيني، "العالم إرادة وتمثلا عند شوبنهاور" لأمل مبروك عبدالحليم، "الدين في الفلسفة الحديثة" ل عبدالله السيد ولد أباه، تفكير الفلاسفة واللاهوتيين في الدين أو فلسفة الدين" ل محمد بو هلال ، و " فيخته: أساس الحق الطبيعي".

تأتي الآية القرانية الكريمة (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) مرتكزا أساسيا لكلمة رئيس التحرير بعنوان "الحق باعتباره اعتقادا وباعتباره قيمة" يؤكد الدكتور عبدالرحمن السالمي على أن " الحق في الخطاب القرآني هو الثابت والمتحقق؛ ولذا فهو في أعلى درجاته اسم من أسماء الله تعالى، أما المعاني الثواني أو الفرعية لمفرد الحق، فإن جذرها الأصلي والإلهي يحضر منه الثبات والتحقق، ولا يحضر فيه الإطلاق الذي يقتضيه الوجود الإلهي، وتقتضيه الوحدانية. وبهذا القدر أو بهذا الترتيب يدور الخطاب القرآني حول مسار الحق في سيرورة الدعوة وصيرورتها،  ولذا كان الخيار الواضح في الآية القرانية". ثم يمضي السالمي في استخلاص مضامين الحق في الخطاب القرآني عبر مرتكزين أثنين من حيث أنَّ الحق اعتقاد بوجود الله ووحدانيته وفروض العبادة والولاء والطاعة بمتقضى هذا الاعتقاد. والحق أيضا في ذات الوقت قيمة تتضمن مسارا معينا للإنسان من النواحي الأخلاقية ومن النواحي السلوكية تجاه نفسه وتجاه الأخرين من بني البشر. ثم يخلص السالمي إلى الحق-سواء أكان قبولا أو رفضا- وإن كان اختياريا فإن هذا الاختيار لهو اختيار كبير الآثار والتداعيات. فالذي يقبل ويرتضي هذا خيار الحق وإتباعه إيمانا وسلوكاً فهو يحول هذا الاختيار إلى قيمة محفزة له على خدمة نفسه وخدمة غيره من البشر. بينما تتحول هذه القيمة لدى المنكر لها أو الرافض لمبدأ الحق الواضح إلى النقيض تماما فهنا تقوم على الجحود والإنكار الذي ينال من التكفير كما ينال من السلوك.

في دراسته "الحق في الخطاب القرآني والمنظومات الكلامية" يشير الدكتور رضوان السيد إلى أن النخب الإسلامية في القرن الثاني الهجري قد سلكت ثلاثة مسالك في اتجاه إيجاد أساليب ومقاربات لفهم الخطاب القرآني، والمقاربات هي المقربات اللغوية واللسانية، والمقاربات الفقهية ، والمقاربات الكلامية. ففي كتاب أبي عبدالله الحسين بن محمد الدامغاني الموسوم ب" الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز" نجد أن هناك اثني عشر وجها لتفسير "الحق" وبحسب الدكتور السيد فإنَّ المقاربات اللسانية التي أوصلها تحليلها وفهما لمفردة الحق في الخطاب القرآني إلى الاختلاف في تفريعات واشتقاقات المعاني المختلفة هو بسبب ارتهان اللغويين إلى أن لكل مفردة قرآنية معنى رئيسا ومعاني فرعية وثواني. وهذا يدل على أن مفرد الحق ينطوي على معنى رئيس هو الثبات والإطلاق ولذلك ذكر المفسرون الحق باعتباره اسما من اسماء الله الحسنى فهو عزل وجل حق متحقق بإطلاق. اما الوجوه والمعاني الأخرى الواردة في السياقات المختلفة للمفرد ذاته فإنها تتضمن معنى الثبات الذي ينفرد به المولى عز وجل" ص 13. فتأمل من جهة الثبات والتحقق يقينا بالبرهان أو بشهادة العيان يفضي بنا إلى الوقوف على حقيقة مفادها أنَّ مفرد الحق الوارد في القران زهاء الثلاثمائة مرة بالصيغ الاسمية والفعلية إنما يشكل مفتاحا لفهم جوهر وحقائق الدعوة القرآنية ومسارها الذي يشير إلى الله هو الحق وجودا ووحدانية، القرآن هو الحق والإسلام هو دين الله الحق. وأخيرا فإن الصدق والعدل من المعاني الثواني أو الفرعية الأخرى. وفي الجزئية المتعلقة بالحق في الخطاب القرآني يختم رضوان الشيد حديثه ب" ويرد مفرد الحق في القرآن الكريم في سياقات التمايز والتمييز بين السلوك السليم في مسائل العقيدة، والمسالك المنحرفة في الاعتقاد والسلوك. وفي هذا المعرض أو المعارض يخوض القرآن جدالا متعدد المداخل، وبصيغ مختلفة بينها السؤال الاستدراجي، والسؤال الاستنكاري، والتساؤل العقلاني، وأسلوب الحكيم كما يقول البلاغيون، ليؤول الأمر في كل مرة إلى تقصد الإبلاغ الذي يفتح آفاقا شاسعة للالتقاء على دعوة الحق بالكلمة النيرة الهادية (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) الانفال 7.

أما ما يتعلق بالحق في المنظومات علم الكلام الاسلامي فيشير السيد في البداية إلى البحوث الكلامية تهتم بتصحيح الاعتقاد. وموضوع الاعتقاد هو  موضوع  الحق والباطل: إنه إثبات الحق أو الاقتناع به بالاقتراب بين النصوص والأدلة العقلية. وهو يتضمن المجادلة إنما من موقف ثابت يتنازل أسلوبيا وتكتيكيا، لكنه في  الأعم الأغلب لا يغير قناعاته؛ لأنه واثق من وقوفه على أرض الحق، وغيره – ممن لا يعتقد آراءه وإن لم يكن خصما له- واقف على أرض الباطل" ص15. فمن هذا المطلق كان علم الكلام الثاني بعد علم الفقه من حيث ابتداء العلماء المسلمين بالتأليف والتقعيد له، وترجع أسباب التأليف أو الدوافع للتأليف في علم الكلام إلى أسباب خارجية وداخلية، فالخارجية أتت كرد فعل على مواقف أصحاب الديانات الاخرى من الإسلام كعقيدة ومنهج جديدين. اما الأسباب الداخلية فترجع إلى ثلاثة أسباب هي: الصراع على السلطة أيام علي وعثمان رضي الله عنهما، استخدام السلطات لبعض الأفكار الدينية من اجل الشرعنة والدفاع عن المواقف في وجه الخصوم، اما ثالث هذه الأسباب الداخلية فهو الظواهر القرآنية وخصوصا مسألتي الإيمان والقدر في بادئ الأمر ومن بعد ذلك مسألة تنزيه الله وعدله ورحمته. ويدو النقاش في المحور الكلامي حول خمس مسائل كلامية مرتبة تاريخيا وليس حسب عقائديات المنظومات الكلامية كما فصلها المعتزلة في أصولهم الخمسة، كما أن النقاش يخرج أو ينظر للمائل الكلامية وأسباب ظهورها التي ذكرت سابقا الخارجية والداخلية منها. وهذا المسائل هي ؛ مسألة الإيمان/ القدر والكلمة الحق فيه/ وحدانية الله وتنزيهه/ الحق في الرحمة والحق في العدل/مسألة النبوة.

لقد كانت مسألة الإيمان من أوائل المسائل المثارة في الجدال الكلامي عند المسلمين وقد جاءت هذه القضية بسبب الخلاف السياسي الحاصل ثم تطورت إلى مسألة كلامية فالقضية في الأساس أو منطلق الحوار فيها كان حول دماء الصحابة التي سفكت في النزاع السياسي الحاصل في تلك الفترة المبكرة، وبنهاية القرن الهجري الأول سميت هذه القضية ب" مسألة مرتكب الكبيرة أي مرتكب جريمة القتل" فهل مرتكب الكبيرة خارج عن حد الإيمان؟ هذا ما أثار التنازع على الحق بين مختلف التيارات الكلامية والسياسية في تلك الفترة. وبالنظر إلى مسألة القدر (خلق الأفعال) فإننا نجد أن أسباب ظهورها تعود إلى ثلاثة أمور، الأول هو نظام الأمويين السياسي، الثاني النقاش مع نصارى الشام والثالث هو الجدل الدائر حول آيات القدر وتأويلها من حيث تنزيه الله سبحانه وتعالى وعدله محكمته. وقد قام كل فريق بتوظيف كل ما لديه من وسائل تأويلية وسياسية لفرض وجهة نظره على حساب أراء الآخرين.

يشير السيد في ص 20 إلى أن مسألة وحدانية الله وتنزيه فقد بدأ النزاع حول الحق فيها بين المسلمين والنصارى بشأن التوحيد ومقتضياته، وأدب الرد على النصارى حافل بالحوار حول ألوهية المسيح والتثليث. ولكن الملاحظ أن الجدل في هذه القضية قد انتقل إلى شأن داخلي في الفكر الإسلامي حين بدا النقاش في مسألة الحق في مسألة التنزيه الإلهي. فقد ابتدأ الجدال في هذا الأمر عند الجهمية والمعتزلة حول قضايا التشبيه والتجسيم وامتد الاستشهاد ليشمل القران الكريم والحديث الشريف وامتد النقاش ليصل إلى كلام الله وصفاته.

لقد حظيت مسألة الحق في الرحمة والحق في العدل بنقاش وجدال أيضا فالمعتزلة تسمي الرحمة لطفا ولا يعتبرونها من صفات الله بينما يعتبرون الله عادلا بالأولية ويرى الأشاعرة  أن الحق في المسألة أن الرحمة والعدل كليهما من صفات الله لكن الرحمة هي المقدمة في نظامهم الكلامي؛ فالله سبحانه مع العباد عند المعتزلة بعدله ولطفه، واللطف يتمثل في إرسال الرسل، والاستحثاث على الإيمان والطاعات. اما عند الأشاعر فإن الله سبحانه وتعالى مع عباده دائما برحمته وعنايته وفضله وعندهم أنه لا أحد ينجو بعمله مهما كان صالحا، وإنما كما ذكر القرآن، فإن الله سبحانه كتب على نفسه الرحمة، قال: إن رحمته وسعت كل شيء والرحمة لا تتنافى مع العدل لكنها أعلى ويقع العدل ضمن اعتباراتها الفرعية أو وجوهها الأخرى. ص21-22. وقد كان من نتائج الجدال حول هذه المسألة أن برز مذهبان كلاميان هما: مذهب التنزيه والعدل، ومذهب الرحمة والفضل، وكلا الفريقين يعد مذهبه هو الحق الذي لا مرد له.

أما المسألة الخامسة فكانت حول مسألة النبوة المسألة التي يجمع عليها جميع المسلمين من متكلمين أو غيرهم فالجهود الكلامية الإسلامية هنا جاءت في الرد على المسيحين واليهود في البداية ثم مع بداية القرن الثالث الهجري جرى النقاش مع البراهمة أو الهندوس الذين لا يقولون بالنبوة لعدم الحاجة إليها. وقد جاء الرد عبر استخدام ثلاث طرق تضمنت الاستدلال بالإشارات الواردة في التوراة والإنجيل عن النبي صلي الله عليه وسلم، الاستدلال بإعجاز القرآن والاستدلال برحابة الدعوة النبوية وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

ويختم السيد مقاله بأن المنظومات الكلامية ما كانت ناجمة مباشرة عن الخطاب القراني بل تأثرت كثيرا بظروف التجربة التاريخية للمسلمين وبظروف المدارس الكلامية المختلفة، ولذلك فقد ظلت متباينة وكثر حولها الخلاف، وهكذا يبقى الحق القرآني فوق التاريخ وفي قلبه، بينما جرى تجاوز التجربة التاريخية وكلامها وفقهها بالأمة التي تحتضن القرآن والرسالة، واجتهاداتها وإجماعاتها".   

Monday, March 18, 2013

قراءة في مجموعة المياه تخون البرك

تجدون فب الرابط التالي قراءة الأستاذ آدم يوسف في مجموعتي الشعرية الجديدة "المياه تخون البرك" والصادرة عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع دار فضاءات الأردنية.
 


 

Tuesday, October 2, 2012

اتجاه للموت


اتجاه للموت

جذع النخلة

الذي يحمله الوادي

يدرك لأول مرة

أن الاتجاه الأفقي

هو الاتجاه الذي يشير إلى الموت


 

سدرة السيل


سدرة السيل


 

 

لن أكون سدرة السيل

السدرة التي اقتلعها السيل في طريقه

السدرة التي احتجزت

السيل وراءها

عند المضيق

السدرة التي

انكسرت

فأغرق السيل

المدينة


 

Monday, April 23, 2012

نشيد إلى الأم في صباحها الأول بعد الترمل


كلما كشفتِ عنا غطاء النسيان
آنسنا من جانب الوردة
زرقة الدمع على عينيك
أيتها الأم
*****
كلما غسلنا أعناقنا بالماء
... لوتِ الريح رقابنا
وأنزاحت وجوهنا بعيدا عنك

أيتها الأم
أليني لنا الريح
لكي لا تفضي جذور الشجرة
بعيداً عن الحصى والتراب.
********
أيتها الأم
ليكن لك حباب الماء وشهيق الغرقى

لتكن لك بالونات أعياد الميلاد
ومعاجين الكريمة الطازجة
على ضفاف المائدة
*****
أيتها الأم
لترفعينا قليلاً كي لا نبلل السمك
المندهش من فرحتنا المنقوصة
*****
ستزرَّقُ شفاهنا
في سبيل محبتك أيتها الأم
وسنفرح كرمل يشاغب عمود إنارة
كلما اكتشفنا
بقايا أظافرك في أعيننا
*****
تركنا الشواهق للخلطاء
ورجعنا بك للبرية
كي نمرِّن ألسنتنا في مديحك
وكي نعصر عن ملابسنا دبق الزيت

تركنا أطفالنا هناك
في عرباتهم
يُعَلِّمُونَ الطيورَ
في الحدائق والمتنزهات
كيف تنفصل النافورة عن ظلها
*****
علمينا أيتها الأم
كيف نخاف هشاشة المعنى
والتباس التشابه
بين عنق الوردة
وعنق الزجاجة
علمينا سر الطبيعة
والفارق الجارح بين السوسنة والبصلة
*******
لا تكشفي عنا أيتها الأم
سكينة التابوت وتواطؤ الماء

دعي أذن الغفلة
تنزاح قليلا
عن زوائد البشارة
كي نشبع منك
وكي نُحِسَّ بعظامك
وهي تعيد إلينا ألفة الأَسِرَّة
ودفء العشاء على المائدة
*****
ولأنَّ الحَنينَ
لا ينمو دائماً أعلى من أعناقنا
لذا تركنا الزعفران
يسبقنا إليكِ
ويلقي عنا النشيد
ويزيح عن كاهلنا عناء الرحلة
ويشرح للغبار
ما تكنه عظامك
حين تغفرين خطايانا
وحين نموت
*****
عند مصاب الأودية
نرى أصواتنا
أكثر شباباً
والحجارةُ مِنْ ليونتها وشفافيتها
نكادُ نُبْصِرُ بِكَارَةَ المعادن فيها
هناك امنحينا أيتها الأم
ما يليق بنا من زرقة
نحملها بديلاً عن أسمائنا
*****
الفجرُ مغرفةُ مثقوبة
والليلُ طاهٍ أعمى
فلمن تتركين أطفالكِ الجياعَ
أيتها الأم؟
****
كلما ذكرناك
انطلقت جيادٌ بِلاَ رؤوسٍ
تلهثُ في أحَلاَمِنَا

لتنسى الجيادُ حدواتها البهية
على آذاننا
ولتعودي إلينا أيتها الأم
لتعلمينا
كيف نحتاط من القناديل
التي تحرس نومنا
والتي إنْ اغتبطتْ بالريح
أحرقتنا بلارجعة إلى حِضْنك الملتهب
****
أيتها الأم
أيتها السدرةُ الصاعدةُ مِنْ صَخْرِ الوادي
لا نريدُ مِنْكِ سوى أن تبقي خضراء
وأنْ نَسمعَ من البعيد
صوتَ الريحِ وهي تَتَكَسَّرُ بين أغصانك
*****
أيتها الأم
أيتها السدرةُ البهيةُ في الأزمنة
سيذكرُ مُوتانا
طراوةَ وَرَقِكِ الجافْ
وَهُمْ في أكفانهم الأبدية
وسنميِّزُ طَعْمَ ثِمَارِك في حليبِ شِيَاهِنَا
كلما ارتحلنا بعيداً عنك.

أيتها السدرة الأم
لا تباركي خوفنا من الصياد
تحت ظلالك
باركي الدماء على وجوهنا
والخدوش على سواعدنا
ونحن نستبق بكارة أغصانك في الفجر
******
سيأخذنا الحنين بعيداً
حين ترفعين المائدة
وسيكون سقفُ دمعكِ عالياً
حين نذكرُ أنَّ الوردة
أظلتْ طُفُولتَنَا في الليل
وأنَّ النارَ التي نسيناها في الطفولة
خاصمتنا في معنى الشاي
واشتقاقات الزنجبيل
كانت الأشياءُ
أصغرَ من راحاتِ أيادينا
وكُنْتِ تُقلَّمينَ الشجرَ النابتَ فوقَ صُدورنا
كُنْتِ تَخَافينَ علينا من الحمامة
وهي تفطمنا عن الهديل
****
أيتها الأم
لك بهاءُ الصلفِ الصاعدِ فوق القبر
ولك خبطة المجرفةِ فوق جماجمنا
جمامجمنا التي حملها الوادي
في طريقه إلى البحر

* نشرت هذه القصيدة في العدد 70 من مجلة نزوى الثقافية العمانية.

                                 

Friday, February 10, 2012

انتخابات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء لعام 2012م

تقرر في مساء يوم الأحد المقبل 12 فبراير 2012 في الساعة الثامنة مساء بالنادي الثقافي عقد اجتماع الجمعية العمومية وذلك لاختيار القائمة المرشحة لجميعة الكتاب والأدباء العمانيين للفترة المقبلة.
علما بأن القائمة الوحيدة المترشحة هي قائمة (تعاون) والتي تضم كل من محمد بن مبارك العريمي ويحيى سلام المنذري وهلال الحجري وخميس العدوي ومحمود الرحبي ومسعود الحمداني ومنى جعبوب والخطاب المزروعي ويحيى الناعبي ويعقوب الخنبشي وعوض اللويهي وبدرية العامري.
وتتمثل رؤية هذه القائمة في المساهمة العملية في الثقافة الإنسانية، وتطوير الثقافة العمانية بما يتناسب مع الوضع الراهن للسلطنة، وبما يستشرف مستقبلها، بشكل متكامل وشامل. كما أن رسالتها تتلخص في وضع خطة طويلة الأمد تسترشد بها الجمعية في مستقبلها، وإيجاد مشاريع متنوعة وممثلة للجوانب الثقافية تأخذ صفة الدوام، تشمل شرائح المجتمع بمختلف توجهاته الفكرية التي تخدم المشهد الثقافي في عُمان. ومن أهم أهدافها التي تسعى لتطبيقها واقعا إيجاد دخل ثابت للجمعية، وفتح فروع للجمعية في المحافظات، واستصدار مشاريع ولوائح قانونية تخدم مختلف الجوانب الثقافية، وتشكيل هيئة استشارية من أعضاء الجمعية للاستفادة منهم في تطوير المشهد الثقافي، والتعاون مع المؤسسات الثقافية خارج السلطنة، والتعريف بالمثقف العماني؛ عربياً وعالميا، والوقوف مع الكاتب والأديب العماني في قضاياه الثقافية، ودعمه، وإشراكه في تفعيل المشهد الثقافي.

Tuesday, October 11, 2011

من يتحمل مسؤولية ضرب المعلمين في الرستاق؟

طوال الفترة الماضية ظلت الرستاق بعيدة عن أي نشاط احتجاجي لافت وبقيت كغيرها من المناطق التي بقيت تتفرج على البؤر الاحتجاجية في المناطق الساحلية. ولكن على ما يبدو أن النفس الاحتجاجي كان في طور التكون والاختمار لحين اللحظة التي لا يمكن الرجوع لما قبلها.
بعد سحق كافة مظاهر الاحتاج في البلاد تفاخر رجال الامن بالقوة التي استخدموها في اخراس جميع الاصوات. وقد نختلف في تقييمنا لتلك الاصوات المحتجة بما عليها من سلبيات وما لها من إيجابيات. الشائعات التي كانت تبث أن الحزم وسرعة الرد ستكون حازمة وبدون رحمة. وما حدث |أمس خير دليل، ولكن أن تجرب هذه الالية الجديدة في الرستاق وعلى المعلمين فتلك مغامرة غير مأمونة النتائج وان استعراض القوة الذي برز من خلال ما نقله الشباب لموقع الفيس بوك لهو مؤشر خطير وانحراف إلى هاوية لا قرار لها.
 كل هذه الصدمات ساهمت وستساهم في تفتيت صور نماذج الحكمة الرشاد والتعقل وما يروج له من قيم التسامح والتي تبذل لها الملايين. أما كان أولى بتلك الاموال أن تصرف على إصلاح قطاع التعليم؟ أما كان هناك طريقة للتعامل غير العصي الغليظة واستعراض العضلات عبر ملثمين لا يعرفون سوى حمل الناس مثل القطعان في باصات!
هل يعي من اتخذ قرار ضرب المعلمين خطورة ما حدث؟
هل العصى الغليظة والغاز المسيل للدموع هي جواب كل من يرفع صوته محتجا على تصرفات بعض المسؤولين في الحكومة؟
أليس من العار ممارسة كل تلك الوحشية في سحق المحتجين اللذين لم يحملوا سوى حناجرهم وعلى معلمين؟
قد نختلف مع بعض مطالب المدرسين ولكن نتفق جمعيا أن ما حدث بالامس في الرستاق لهو وصمة عار على جبين من اتخذ قرار الضرب، ويجب معاقبته.
ما حدث بالامس ينسف كل الجهود التي بذلت في سبيل الرقي بالعلم في هذه البلاد، ولو ان الذين استبسلوا في سلخ جلود المعلمين بالامس أحسو بقيمة العلم لم تحركت أياديهم لفعل تلك الجريمة النكراء.
إلى السلطان قابوس:
إن المعلمين الذين ضربوا بالأمس كنت حفيا بهم في بداية حكمك أن تعلمهم ولو تحت ظلال  الاشجار، فأتمنى أن لا تكون العصي التي ضُربوا بها بالامس  قد قطعت من إحدى تلك الأشجار التي تعلم تحت ظلها العمانيون؟
إن المعلمين الذين ضربوا بالامس يا صاحب الجلالة هم أجمل الأشجار الذين زرعتهم في هذا الأرض المباركة فاحفظ عليهم كيلا تعود هذه ابلاد إلى صحراء مرة أخرى

Sunday, July 3, 2011

السلوك القمعي

هل هناك من علاقة بين القمع بضم القاف والقمع بفتحها؟
لأول وهلة ومن ناحية شكلية الكلمات يبدو أن لا فرق عدى الحركات التي تتحكم بالفتح والضم ومن ناحية الدلالة تشترك الكلمتان في الضيق أو التضييق الضيق في عقل الممارس والتضييق على الممارس عليه فعل الممارسة القمعية.
كثيرا ما يضبط أحدنا نفسه ممارسا نوعا أو شكلا من أشكال القمع والتضييق سواء على مستوى الأسرة أو حتى مستوى المحيط القريب من الأهل والأصدقاء.
هل القمع كفعل وسلوك جزء او مكون رئيس من ومكونات الكائن البشري؟
هل الثقافة العربية أو بالتحديد الإطار الثقافي العماني إطار مشجع ومساند للسلوك القمعي؟

Wednesday, June 1, 2011

هل انتهى كل شيء؟

هل مرت العاصفة أم أن ثمة حاو خدع العاصفة ودسها في جراب سميك؟
هل انكشف عري الادعاءات والتنطعات بقيم التقدم والتحرر والبطولات الورقية الزائفة؟
هل ما حدث قد كشف لنا عن غياب حقيقي لما يسمى الحوار الوطني البناء؟

Thursday, September 9, 2010

مخربوا فرحة الأعياد

ستبقى يا وطني جميلا
وسيبقى بهاؤك ساطعا
تصلني روائح أعياد القرى
هنا حيث تنعتق الفضاءات من رعونة الشتاء
هنا الربيع القادم من عمق البهجة
تصلني روائح الأحقاد
والضربات الموحشة للسفلة مخربي الفرح

ولكنك جميل يا وطني
وستبقى جميلا مهما طالت سلالم المأمول
مخربوا الأحلام فرحون الآن بانتصارهم
ولكنه فرح مؤقت فقط
ليس لهم من مكان أكثر بهاء بهم من مزبلة التاريخ

الأرض لبنيها المخلصين
ولكم يا مخربي فرحة العيد
عفن قلوبكم وخسة طواياكم النتنه

ستضيق التنانير بأحقادكم
ولن تتشرف نيرانها بلمس جلودكم العفنة
ستذيبكم الشمس بنورها
الشمس التي تذيب عفنكم المقدس
عفنكم الذي تعيشون عليه
لن تبقي لكم الشمس من أثر

فأذهبوا إلى الجحيم
لن تستطيعوا تدنيس شرف الحلم بغد أجمل
كم بهي هو الأفق بدون عفنكم الخانق



Sunday, May 2, 2010

التأريخ بالدجاجة، من طرائف بخلاء الجاحظ




في الصفحة 135 من كتاب البخلاء للجاحظ تحقيق طه الحاجري نقرأ هذه القصة:
" كان أبو هذيل أهدى إلى مويس دجاجة. وكانت دجاجته التى أهداها دون ما كان يتخذ مويس، ولكنه بكرمه وبحسن خلقه أظهر التعجب من سمنها وطيب لحمها، وكان يعرفه بالإمساك الشديد( يقصد أبا هذيل). فقال: " وكيف رأيت يا أبا عمران تلك الدجاجة؟" قال: " كانت عجبا من العجب" ، فيقول: " وتدري ما جنسها؟" وتدري ما سنها؟ فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن. وتدري بأي شيئ كنا نسمنها؟ وفي أي مكان كنا نعلفها؟. فلا يزال في هذا، والآخر (أي مويس) يضخك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو هذيل.

وكان أبو هذيل أسلم الناس صدرا، واوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة. فإن ذكروا دجاجة قال:" أين كانت ياأبا عمران من تلك الدجاجة؟" فإن ذكروا بطة أو عنافا أو جزورا أو بقرة قال:" فأين كانت تلك الجزور في الجزر من تلك الدجاجة في الدجاج؟"، وإن استسمن أبو هذيل شيئا من الطير والبهائم قال:" لا والله ولا تلك الدجاجة؟"، وإن ذكروا عذوبة الشحم قال:" عذوبة الشحم  في البقر والبط وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ذلك الجنس من الدجاج"، وإن ذكروا ميلا شيئ، او قدوم إنسان قال: " كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة، وكان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم". وكانت مثلا في كل شيئ وتاريخا في كل شيئ)

رحم الله الجاحظ دون في هذا الكتاب الرائع أجمل المواقف والقصص الإنسانية التي لا تمل. ما أود إثارنه هنا هو جانب التشهير ببعض البخلاء، فالجاحظ هنا كان متيقظا لهذه الحالة وإشار إلى ذلك في مواضع متفرقة تستحق النظر والخروج بتدوينة تبحث في هذا الامر . لكن ذلك المطلب غير مقدور عليه في الوقت الحالي ولكن أتمنى العودة إليه لاحقا.